مَسْؤُوْلِيةُ الجَنُوْبِ أَكْبَرُ هَم عِنْدَ الإِمَامِ الصدْر
الإمَامُ المُغيَب السيد موسى الصدر

مَسْؤُوْلِيةُ الجَنُوْبِ أَكْبَرُ هَم عِنْدَ الإِمَامِ الصدْر
لم يحمل الإمام الصدر في تاريخه العملي هم الجنوب فقط، وإنما حمل هموم المحرومين والمضطهدين في العالم كله، ولكنه ركّز على الجنوب حيث لم يوجد في العالم منطقة محرومة ومعذبة ومضطهدة مثل الجنوب، ولو كان ثمة منطقة غير الجنوب كالجنوب لكان شعوره تجاهها كشعوره مع الجنوب وأهله.
ولكي ندرك معاً حجم هذا الهم الذي كان يحمله الإمام أذكر لكم نص المقابلة التي أجرتها معه إحدى الوكالات، وسوف أقف على بعض تلك الأسئلة مما هو حاجتنا في هذا الموضوع.
السؤال: كيف تقيّمون وضع الجنوب اليوم؟
الإمام الصدر: لا شك أن الجنوب أولاً يعيش مأساة انسانية تتجاوز في أبعادها وفي محنتها كل حد، لأن غياب السلطة واستمرار الآلام التي كانت متفجرة في لبنان، بالاضافة الى قرب اسرائيل، الى جانب عوامل أخرى هي أن وضع الجنوب أقرب أكثر فأكثر الى أن أصبحت المشكلة دولية، وفي نفس النسبة يبتعد عن أفق رؤية الناس الأمل في نهاية المأساة، إذاً، المأساة البشرية كبيرة جداً. الناس يعيشون حالة قلق، فقر، عدم تمكن من ممارسة نشاط اقتصادي اجتماعي، وعدم الأمن، والموت والتشرد والقصف المفاجئ وغير ذلك، ومن الناحية السياسية، وضع الجنوب وضع مقلق لأن سيطرة الأطراف المعنية التي أوقفت مجازر لبنان غير متوفرة في الجنوب.
في مناطق لبنانية أخرى، رغم استمرار الحرب، تمكنت قوة الردع العربية، أو بتعبير أصح، وحدة المواقف العربية تمكنت من إيقاف المجازر. بينما في الجنوب هناك عامل غير عربي، وغير لبناني، هو اسرائيل، لذلك حتى توحيد العرب لا يتمكن مباشرة من ايقاف المجازر وهذا ما يجعلنا نتأكد أن اسرائيل معنية باستمرار التوتر في الجنوب، كورقة ضغط ضد العرب، من جملة أوراق الضغط الأخرى التي هي بيد اسرائيل، لذلك، بشكل عام، يمكننا إن نقول أن الوضع في الجنوب مأساوي وخطر جداً:
السؤال: ما أبعاد هذا الخطر؟
الإمام الصدر: إنسانياًً استمرار المأساة
سياسياً لبنانياً: إن الوضع المتوتر في الجنوب يحول دون امكانية السلام في لبنان. حوالي سنة تقريباً مرت على وقف إطلاق النار في لبنان، ولا يزال السلام غير مستتب والمؤسسات الوطنية غير مبنية. وبرز بوضوح أن مسألة بناء الجيش ومسائل الأمن بصورة عامة، وحتى الوفاق السياسي، مجمدة بانتظار انتهاء مشكلة الجنوب، إذاً الوضع في الجنوب، سياسياً، يحول دون انتهاء المشكلة السياسية في لبنان.
عربياً: من الممكن أن وضع الجنوب يحوّل المحنة الى العالم العربي بشكل عام. من الممكن أن استمرار التوتر في الجنوب ينعكس على الوضع العربي، ذلك لأن هذا التوتر يحول دون امكانية التفاهم العربي – الفلسطيني، مع لبنان، عدم تنظيم العلاقات اللبنانية – الفلسطينية ينعكس على العلاقات اللبنانية العربية وعلى العلاقات الفلسطينية – العربية وبالتالي وضع الجنوب ينعكس على الوضع السياسي اللبناني. بالاضافة الى هذا وذاك، هناك مسألة الانفجار التي هي تدخل في صميم السؤال الثاني:
السؤال: هل يمكن أن تحدث مواجهة اسرائيلية أميركية بسبب وضع الجنوب؟ ولماذا؟
الإمام الصدر: لأن وجهات النظر الأميركية – الاسرائيلية في ما يخص جنوب لبنان لا تتفق، وإذا كان الموقف الاسرائيلي بالنسبة لبعض الدول العربية يجد في الولايات المتحدة وفي الكونغرس الأميركي من يدافع عنه، فإن موقف اسرائيل من جنوب لبنان لا يجد في الولايات المتحدة، وفي العالم كله، من يبرر هذا الموقف، ولذلك نرى أن اسرائيل تحاول بكل جهد أن تخلق مشكلة طائفية في جنوب لبنان، وأن تعكس في العالم ان اسرائيل هي حامية للمسيحيين في الجنوب. هذا الاصرار الاسرائيلي على إبراز المشكلة الطائفية دليل على أن اسرائيل حتى الآن لا تجد في الولايات المتحدة وفي العالم من يدافع عن موقفها في جنوب لبنان.
لذلك، النقطة الأكثر بروزاً في الخلافات الاسرائيلية – الأميركية والنقطة القابلة لأن تنمو وتكرس الخلاف الاسرائيلي – الأميركي هي في جنوب لبنان أكثر من أي مكان آخر. ولا ننسى أن هناك رجال سياسة كبار أميركيين، مثل السناتور جيمس أبو رزق وغيره من جنوب لبنان بالذات (من منطقة مرجعيون) ومعنيون بجنوب لبنان. ولعلكم سمعتم الحوار القاسي الذي جرى بين جيمس أبو رزق وبين بيغن في الكونغرس الأميركي.
إذاً، من الممكن أن الوضع في الجنوب يخلق نوعاً من التوتر والمجابهة بين أميركا واسرائيل:
السؤال: كيف ترون حل مشكلة الجنوب حلاً جذرياً؟
الإمام: الخطة الموضوعة من قبل السلطة اللبنانية طبعاً، هي الخطة الحكيمة بمعنى أن اتفاقية شتورة حيّدت المقاومة الفلسطينية في الجنوب وجعلت المسلحين الفلسطينيين في أماكن متفق عليها، ووحدات من الجيش اللبناني تنتقل الى الجنوب خطوة خطوة:
السؤال: هل بدأ هذا؟
الإمام: سيبدأ في خلال أيام قليلة حيث ينتقل الجيش اللبناني الى الجنوب، وعند ذلك، القوى اللبنانية والفلسطينية تضبط وتلتزم. ويبقى الموقف الاسرائيلي. والموقف الاسرائيلي له فعالية خاصة في الجنوب، من خلال القصف أولاً، ومن خلال إمكانية تسرب عناصر اسرائيلية تتكلم اللغة العربية وتخلق مضاعفات من خلال الجبهتين المتخاصمتين. أضف الى ذلك أنه بالفعل هناك مجموعة من المتقاتلين في الجنوب مرتبطة بإسرائيل بشكل أو بآخر، تتدرب وتتسلّح وتأخذ التموين من الأرض الاسرائيلية. إذاً، إسرائيل لها فاعلية كبيرة في الجنوب. هناك نجد أن السلطة اللبنانية اعتمدت الضغط غير المباشر على اسرائيل بواسطة الولايات المتحدة. ولعلكم سمعتم بالاتصالات التي جرت في اليومين الأخيرين بين السفير باركر ووزير الخارجية. يعني أن الدولة اللبنانية بعدما أدت مهمتها بالنسبة للقوى اللبنانية والقوى الفلسطينية، تحاول أن تضغط على اسرائيل بواسطة الولايات المتحدة وبالتالي تنهي المشكلة في الجنوب. هذا الذي يجري خلال هذه الأيام بالذات.
هكذا كان يقرأ الإمام الصدر الوضع في جنوب لبنان، وقد حصل كل ما أخبرنا عنه وكأنه عاش المستقبل، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على مدى عمق الفكر الذي كان الإمام الصدر يتمتع به، وعلى مدى الوعي الذي كان ينطلق من خلاله.
الشيخ علي فقيه



